كيف ضلّ السلاح في الضفة الغربية طريقه؟

ستبدو لغير القاطن في الضفة الغربية المحتلة حالةً غريبة وغير مفهومة تلك التي يفرزها واقع السلاح ومعادلاته فيها، إذ يبرز سؤال تلقائي ومُلحّ كلما رصدت كاميرات الإعلام مظاهر تشي بوجود وفرة في السلاح الآلي، في أيدي ميليشيات العائلات الكبيرة أو العناصر المحسوبة على حركة فتح والأجهزة الأمنية، وذاك السؤال: ما دام في الضفة كل هذا السلاح فلماذا لا نرى في المواجهات مع الاحتلال سوى سلاح الحجارة؟ ولماذا تحدث العمليات المسلحة على فترات زمنية متباعدة وبسلاح بدائي وبسيط في الغالب، رغم وفرة الأهداف ووجود السلاح؟!

ليست هنالك إجابة وحيدة ومباشرة لهذا السؤال، ولعلّ مجرد طرحه ينطوي على إشكالية ما، لسبب بسيط، هو أن ما يجري على المقاوم لا يجري على غيره، وما يُسمح لغيره لا يسمح له، ولأن معادلة السلاح برمّتها في الضفة الغربية موزونة بآلية لا تتيح انبثاق معادلات جانبية عنها، ولا اختلالها حتى في ظلّ أعتى الهزّات التي قد تحل بفلسطين.

تلك المشاهد القاتمة المتضمنة عشرات أو مئات القطع من السلاح الآلي تستبطن واقعاً أكثر قتامة، تقول تفاصيله إن هذا السلاح مرصود من سلطة الاحتلال، ومعروف مكان كل قطعة فيه، وهو متوزع ما بين سلاح الأجهزة الأمنية والمحسوبين عليها والدائرين في فلكها، وأفراد تشغّلهم عناصر في العائلات الكبيرة، ويتم استئجارهم لحمل السلاح والاستعراض فيه وإطلاق رصاصه في الهواء عند حدوث المشاكل العائلية، أو عند الرغبة بالاستعراض في الأفراح والأتراح!

وثمة ظلّ لهذا الواقع الواضح، تتنامى فيه مجموعات يمكن أن تتحول في لحظة ما إلى ميليشيا، وهذه يرتبط مشغّلوها بالاحتلال، ويتم رعايتها لكي تكون جاهزة لسدّ أي فراغ أمني أو سياسي في حال حدثت تطورات مفاجئة في ساحة الضفة الغربية، وفقدت السلطة مجالات السيطرة أو عجزت عن أداء مهامها الأمنية المتعلقة بقضايا التنسيق الأمني، فإن كان الاحتلال ما يزال معنياً ببقاء السلطة وتعزيز سيطرتها على ساحة الضفة وعدم إضعافها، إلا أنه يعدّ نفسه مسبقاً لأكثر السيناريوهات قتامة بالنسبة له، ويفكر باستمرار في البدائل، ويوقن أن الواقع قابل للتغيّر والتبدّل، نتيجة التفاعلات الطبيعية أو المفاجئة.

خلال السنوات الأخيرة أوهمت السلطة نفسها والناس بأنها قطعت شوطاً طويلاً في محاصرة ظاهرة الفلتان الأمني، وأنها كرّست معادلة: سلطة واحدة وسلاح واحد، لكن ذلك كان أحد عناصر الوهم الذي سرعان ما كشفته الأحداث اليومية على مدار السنوات الماضية، لأن الإنجاز الوحيد الذي صنعته أجهزة السلطة هو إنهاء وتجفيف منابع السلاح المـ.ـقاوم، ورصد تحركات كل المحسوبين على فصائل المـ.ـقاومة، بحيث لا يصل السلاح إلى أيديهم، حتى لو كانوا أبناء عائلات تمتلك السلاح.

أما الفلتان الأمني بمختلف أشكاله فقد نشأ برعاية السلطة وتشجيعها، وتمدد في ظلّ سياساتها، لأن السلطة مستفيدة منه ومن بقاء الصراعات العشائرية، ولهذا أسباب سياسية دون شك، منها إشغال الناس وإلهائهم عن قضيتهم الكبرى، وصنع عداوات داخلية بينهم تتقدم على العداء للاحتلال. صحيح أن السلطة تتأذى أحياناً من تفشي ظاهرة الفلتان وخصوصاً على صعيد كسر هيبتها واستعداد بعض العائلات أحياناً لمواجهة أجهزة السلطة إذا أرادت الأخيرة التدخل لإنهاء مشكلة عائلية، لكنّ حسبة بسيطة لإيجابيات وسلبيات الظاهرة، تقول إن استمرارها وتفشّيها مفيد للسلطة أكثر من إنهائها، وخصوصاً أن مشروع السلطة ما يزال في مصادمة مباشرة مع مشروع مواجهة الاحتلال، لأن هذا من مقتضيات استمرار السلطة، وبالتالي فكل ظاهرة سلبية تصرف الناس عن مسار مواجهة الاحتلال تصبّ في صالح حظوظ مشروع السلطة وبقائه.

ليس صعباً على أي سلطة تتفرّد بحكم منطقة ما، وتخصص ميزانية هائلة لتمكين أجهزتها الأمنية أن تنهي كل أشكال الفلتان الأمني، فما بالك بمشكلة بين عائلتين؟ ولو أرادت السلطة لضخت عشرات آلاف العناصر في مدينة الخليل مثلاً ونفّذت حملة واسعة صادرت خلالها سلاح العائلات المستخدم في المشاكل الداخلية، لكنّ كثيراً من الأسباب تُقعدها عن ذلك، منها حاجتها لبقاء نزعات العشائرية والقبلية والعداوات البينية، ومنها ذلك (الفيتو) الذي يفرضه الاحتلال على مجالات تحرّكها، كون بعض مجاميع ذلك السلاح مرتبطة به مباشرة ومتجاوزة السلطة، ومنها أن الدافعية النفسية لعناصر أمنها ظلت على مدار سنوات متركزة لمجابهة بؤر المـ.ـقاومة وعناصرها ومعارضي السلطة، فعلى هذه الجبهات تجد أجهزة السلطة نفسها في مكانها الصحيح، وتبرع في ممارسة دورها التقليدي، ولهذا تراجعت سطوة القانون حتى اهترأت، وبات سيفاً على رقاب معارضي السلطة فقط، وبندقية آثمة في يد سواهم.

وعطفاً على السؤال الوارد في البداية، فإن حامل السلاح الآثم والمشبوه لا يدفع ثمناً يذكر مقابل ذاك الذي يدفعه حامل السلاح المـ.ـقاوم، فقد يتورط الأول بجريمة قتل أو سرقة أو اعتداء، ثم يجد نفسه بعد فترة وجيزة خارج السجن، أما الثاني فقد يدفع حياته ثمناً لخياره، وبيته واستقراره كله، وعمره في السجون. أي أننا نتحدث عن عالمين متباينين: عالم البلطجة والفلتان والاستعراض، مقابل عالم المـ.ـقاومة والانضباط والتضحية، الأول ينمو بقدر استفادة السلطة والاحتلال منه، والثاني يحارب ويُستأصل على جميع المستويات، كونه الكفيل بتصحيح بوصلة المجتمع وتعبئته معنوياً في سياق إيجابي.

هكذا ضل السلاح في الضفة الغربية طريقه، لكنه لم يكن سلاحاً مـقاوماً بأي حال، فهو في مبتداه ومنتهاه مشبوه، في مصادره وفي متلقفيه، وفي موظفيه ومطلقيه في جميع الاتجاهات، إلا صدر عدوّهم.

 



عاجل

  • {{ n.title }}