كتب الأستاذ عقل ربيع.. القيادات المصنوعة والقرار الصعب

من الثابتِ عند العقلاء بإعمالِ الفكرِ وتراكمِ التجربةِ أن الجماعات ليست عصيَّةً على الاختراق، وأيةُ جماعةٍ تظنُّ أنها بمنأى عنه فهي جماعةٌ لا تعرفُ معالمَ طريقِها ، وستأكلُ نفسَها وهي تظنُّ أنها تحسنُ صنعا .

ومن الجليِّ أن طولَ عمرِ الجماعات يرفعُ فرصةَ الاختراقِ لأن الاختراقَ عمليَّةٌ بطيئةٌ تتمُ بتدرُّجٍ محكمٍ وعلى ضوءِ سراجٍ لا على نار .

أما غاياتُ الاختراقِ فكثيرةٌ بين عينٍ ويد، فالعينُ تراقبُ وترصد، واليد تعملُ وتُفسد ،ولا يجد المخترِقون فرصةً أفضلَ من المحنِ لتشغيلِ عناصِرِهم وتفعيلِ دورِهم وتوجيهِ ضربتِهم . 

وأخطرُ عناصرِ الاختراقِ تلك التي تصلُ إلى موضعِ القيادةِ وما أمرُ وصولِها بصعبٍ على أجهزةٍ عالميةٍ مدرَّبة تستهدفُ جماعات تحكمها العواطفُ وليس النواظم، وترتجلُ أكثرَ مما تُخطِّط . 

فإذا اشتعلت المحنةُ برزت هذه القياداتُ المصنوعةُ تشعلُ الفتنَ وتفضحُ المستورَ وتمزقُ الصفَ وتُشَوِّهُ المخلصين ، وتروِّجُ الروايات الكاذبة وتسعى إلى شقِّ صفِ الجماعات  وتوريطِها في معارك خاسرة .

وفي تلك الظروفِ الضاغطةِ يصعب التفريقُ بين المخلصِ والكاذب ، وتتوترُ الأعصابُ، وتضيقُ الصدورُ ويميلُ الجدارُ بانتظارِ لحظةِ الانهيار. 

وحتى لا تحدثُ هذه الكارثةُ فإنَّ الارتباك لا ينفع والتردد لا يفيد والانتظار لن يقدمَ شيئاً، كما أن العجلةَ لا تعصم ،والغضب لا يعين، ولا بد من حكماء شجعان يشقون الصفوفَ ويتقدمونها ، ويتخذون القرارَ الصعبَ بعد أن تدلُهم بصيرتهم على الخللِ ورجالِه  من غير ظلم ولا هوس ولا شكوك واهية ، وما هذا بسهلٍ ولكنه ليس مستحيلا. وفي كل الأحوالِ فإن الاكتفاءَ بمشاهدةِ مواسم تراشقِ القيادات وكشفِ عورةِ الصف لا يليق بالشجعان ولا يعبر عن إرادة الحريص الغيور .



عاجل

  • {{ n.title }}